لبيك اللهم لبَّيكَ !
الحمدُ للهِ ذِي الجَلالِ والإِكرامْ ، والفَضْلِ والطَّوْلِ والمِنَنِ العِظَامْ ، الذي هَدَانا للإِسْلامْ ، وأَسْبَغَ علينا جَزِيلَ نِعَمِهِ وأَلْطَافِهِ الجِسَامْ ، وكَرَّمَ الآدميينَ وفَضَّلَهُمْ على غيرهم مِنَ الأَنَامْ ، ودَعَاهُمْ بِرَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ إلى دَارِ السَّلامْ ، وأَكْرَمَهُمْ بما شَرَعَهُ لهم مِنْ حَجِّ بَيْتِهِ الحَرَامْ، ويَسَّرَ ذلكَ على تَكَرُّرِ الدُّهُورِ والأَعْوَامْ ، وَفَرَضَ حَجَّهُ على مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سبيلاً مِنَ أَهْلِ الإيمانِ والإِسْلامْ .
أَحْمَدُهُ أَبْلَغَ الحَمْدِ وأَكْمَلَهْ، وأعْظَمَهُ وأَتَمَّهُ وَأَشْمَلَهْ، وأشهَدُ أنْ لا إلهَ إلاّ الله وحدهُ لا شريك له إقراراً بِوَحْدَانِيَّتِهْ، وإِذْعَاناً لِجَلاَلِهِ وعَظَمَتِهْ ، وأشهَدُ أنَّ سيدنا ونبينا محمداً عبدُهُ ورَسُولُهُ : أفضَلُ مَنْ حجَّ واعْتَمَرَ مِنَ الأَنْبِياءِ الكِرَامْ، اللهمَّ صَلِّ وسَلِّمْ على عَبْدِكَ ورَسُولِكَ محمدْ ، وعلى آلِهِ وأصْحَابِهِ هُدَاةِ الأَنَامْ .
أما بعد :
فإنَّ الحَجَّ أَحَدُ أَرْكَانِ الدين ، ومِنْ أَعْظَمِ الطَّاعَاتِ لِرَبِّ العالَمِينْ، وهوَ شِعَارُ أنبِيَاءِ الله وسائرِ عباد اللهِ الصالحين صَلَوَاتُ اللهِ وسَلاَمُهُ عليهم أَجْمَعِينِ . قال الله جلَّ وعلا (وللهِ على النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ومن كفرَ فإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عنِ العالَمِين ) .
وبِهِ أَمَرَ اللهُ خَلِيلَهُ إِبْرَاهيم في قوله : ( وَأَذِّنْ في النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقْ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ في أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ) .
وقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمرَ رضي الله عنه وعن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( بُنِيَ الإِسْلاَمُ على خَمْسٍ : شَهَادَةِ أنْ لا إلهَ إِلاَّ اللهُ وأَنَّ محمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ ، وإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وصَوْمِ رَمَضَانَ )) ،
وفي حديث جبريل الطويل لَمَّا سَأَلَهُ عن الإِسْلام قال صلى الله عليه وسلم : (( وَتَحُجَّ البَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً )) ومعلوم بالضّرورةِ مِنْ دينِ الإسلامِ أن الحجَّ واجِبْ ولا يجْحَدُهُ إلاَّ كافر .
وللحَجِّ - مَعَ كَوْنِهِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الإِسْلام - فَضْلٌ عَظِيمٌ ، وَأَجْرٌ كَبيرٌ ، مَا لَوْ ذَكَرْنَاه لطالَ المقام ولكنْ سَنُورِدُ بعضَ ما جَاءَ عن الحَبيبِ المصطفى صلى الله عليه وسلم مِنَ الأَحَاديثِ في ذلك فمنها :
ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : سُئلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : أيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ ؟ قال : (( إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ )) . قيل ثمَّ مَاذا ؟ قال : (( الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ )) . قيلَ : ثُمَّ مَاذا ؟ قال : (( حَجٌّ مَبْرُورٌ )) .
ولهما عنه -رضي الله عنه- قال : سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول : (( مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ ، وَلَمْ يَفْسُقْ ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ )) .
قال الإمام الأزهري : الرَّفَثُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِكُلِّ مَا يُرِيدُهُ الرَّجُلُ مِنَ المَرْأَةِ .
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : (( الحَجٌّ المبرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الجَنَّهْ )) .
وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أَمَا عَلِمْتَ يَا عمرُو ! أَنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ )) رواه مسلم .
وعن أم المؤمنينَ عَائِشَةُ رضي الله عنها قالت : قلتُ يا رسول الله ! نَرَى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ ، أَفَلاَ نُجَاهِدُ ؟ فقالَ : (( لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ )) رواه البخاري .
وفي لفظٍ قالت : يا رسولَ الله هَلْ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ ؟ قال : (( عَلَيْهُنَّ جِهَادٌ لا قِتَالَ فيهِ ؛ الحَجُّ والعُمْرَةُ )) [ صححه ابن خزيمة (3074) والألباني ] .
وعن عبدِاللهِ بن مسعودٍ رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ والذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إلاَّ الجَنَّةَ )) رواه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان وصحّحوه رحمهم الله .
وعن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قال : سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول : (( مَا تَرْفَعُ إِبِلُ الحَّاجِّ رِجْلاً ، وَلاَ تَضَعُ يَداً ، إِلاَّ كَتَبَ اللهُ لَهُ بهَا حَسَنَةً ، أَوْ مَحَا عَنْهُ سَيِّئَةً ، أَوْ رَفَعَهُ بها دَرَجَةً )) رواه ابن حبان والبيهقي وحسّنه الألباني .
وعن جابِرٍ رضي الله عنه قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : (( الحَاجُّ وَالمُعْتَمِرُ وَفْدُ اللهِ ، دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ ، وَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ )) رواه ابن ماجه وابن حبان وهو حديث حسن . ولا شكَّ – أيُّها المؤمِنون- أنَّ الحُجَّاجَ سَيَسْأَلُونَ اللهَ الجَنَّةَ والمَغْفِرَةِ والعَفْوَ ونَحْوَهَا من وُجُوهِ الخَيْرِ فهذا وَعْدٌ مِنَ اللهِ بِاسْتِجَابَةِ دَعْوَتِهِمْ وَلاَ يُخْلِفُ اللهُ المِيعَاد .
ومنها يا عِبادَ الله : حديثُ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال - لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصار سألهُ عن فضل الحجِّ - : «فَإِنَّ لَكَ مِنَ الأَجْرِ إِذَا أَمَمْتَ البَيْتَ العَتِيقَ أَنْ لاَ تَرْفَعَ قَدَماً أَوْ تَضَعَهَا أَنْتَ وَدَابَّتُكَ إِلاَّ كُتِبَتْ لَكَ حَسَنَةٌ ، وَرُفِعَتْ لَكَ دَرَجَةٌ».
وَأَمَّا وُقُوفُكَ بِعَرَفَةَ فَإِنَّ اللهَ عز وجل يقولُ لِمَلاَئِكَتِهِ : يَا مَلاَئِكَتي ! مَا جَاءَ بِعِبَادِي ؟ قَالوا : جَاءُوا يَلْتَمِسُونَ رِضْوَانَكَ وَالجَنَّةَ . فَيَقُولُ اللهُ عز وجل : فَإِنِّي أُشْهِدُ نَفْسِي وخَلْقِي أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لهم ، وَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُهُمْ عَدَدَ أَيَّامِ الدَّهْرِ، وَعَدَدَ القَطْرِ، وَعَدَدَ رَمْلِ عَالِجٍ .
وَأَمَّا رَمْيُكَ الجِمَارَ ، فإنَّ اللهَ عز وجل يقُولُ : (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )
وَأَمَّا حَلْقُكَ رَأْسَكَ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَعْرِكَ شَعْرَةٌ تَقَعُ في الأَرْضِ ، إِلاَّ كَانَتْ لَكَ نُوراً يَوْمَ القِيَامَةِ .
وَأَمَّا طَوَافُكَ بِالبيتِ إِذَا وَدَّعْتَ ، فَإِنَّكَ تَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِكَ كَيَوْمِ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ )) [ رواه الطبراني في المعجم الأوسط (2320) وَحَسَّنَهُ الألباني لغيره ].
هذا في الحجِّ عموماً ؛ وقَدْ جَاءَ في أَعْمَالِهِ عَلَى أَفْرَادِهَا فضلٌ كبيرٌ ، ورَتَّبَ اللهُ على كُلِّ عَمَلٍ أجراً عظيماً :
فمنها ما جَاءَ في فَضْلِ التَّلْبِيَةِ : قال صلى الله عليه وسلم : (( مَا أَهَلَّ مُهِلٌّ قَطْ إِلاَّ بُشِّرَ ، وَلاَ كَبَّرَ مُكَبِّرٌ إِلاَّ بُشِّرَ )) قيلَ : يا رَسُولَ اللهِ ! بِالجَنَّةِ ؟ قال ((نَعَمْ )) رواه الطبراني في الأوسط بإسناد رجاله رجال الصحيح كما قال المُنْذِرِيُّ .
ومنها الطَّوَافُ بالبيتِ قال صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ طَافَ بِالبَيْتِ لَمْ يَرْفَعْ قَدَماً ، وَلَمْ يَضَعْ قَدَماً إِلاَّ كَتَبَ اللهُ لَهُ حَسَنَةً ، وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً ، وَرَفَعَ لَهُ دَرَجَةً )) .
وقال صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ طَافَ بِالبَيْتِ ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ )) رواه ابن ماجه وصححه الألباني .
ومنها اسْتِلاَمُ الحَجَرِ الأَسْوَدِ والرُّكْنِ اليَمَاني : فَعَنِ ابنِ عُمَرَ قال : قال صلى الله عليه وسلم : (( إِنَّ اسْتِلاَمَهُمَا يَحُطُّ الخَطَايَا )) رواه أحمد وصححه الألباني.
ومِنَ الأُجُورِ العَظِيمةِ ما جاءَ في فَضْلِ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ : عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو قائِمٌ بِعَرَفَةَ - : ((مَعَاشِرَ النَّاسِ ! أَتَاني جِبْرِيلُ آنِفاً ، فَأَقْرَأَني مِنْ رَبِّي السَّلاَمَ ، وقال: إِنَّ اللهَ غَفَرَ لأَهْلِ عَرَفَاتٍ، وَأَهْلِ المَشْعَرِ وَضَمِنَ عَنْهُمْ التَّبِعَاتِ ))
فَقَامَ عُمَرُ بنُ الخَطَّاب رضي الله عنه فقال : يا رسول الله ! هذا لَنَا خَاصَّة ؟ قال : (( هَذَا لَكُمْ ، وَلِمَنْ أَتَى مِنْ بَعْدِكُمْ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ )). فقال عُمَرُ: كَثُرَ خَيْرُ اللهِ وَطَابَ . [ رواه ابن المبارك بإسْنادٍ رجالهُ ثقاتْ وصححه الألباني ] .
ومنها رَمْيُ الجِمَارِ فقد قال صلى الله عليه وسلم : (( وأَمَّا رَمْيُكَ الجِمَارَ ، فَلَكَ بِكُلِّ حَصَاةٍ رَمَيْتَهَا تَكْفِيرُ كَبِيرَةٍ مِنَ المُوبِقَاتِ )) رواه ابن حبان وصحّحه (حسنه الألباني) .
وحلق الرأس بعدَ النسك الذي دعاء فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم للمحلقين بقوله : (( اللهم اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ )) قالها ثلاث مرات ومنها الصلاةُ في المسجدِ الحرام :
فعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( صَلاَةٌ في المَسْجِدِ الحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِئَةِ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ )) رواه أحمد وابن ماجه وَأَصْلُهُ في الصَّحِيحِ .
هذه بَعْضُ الأَحَادِيثِ في فَضْلِ الحَجِّ لا حَرَمَنَا اللهُ مِنْهُ ، وفيها بَيَانُ مَا لِلْحَاجِّ مِنَ الأَجْرِ العَظِيمِ الذي لاَ يُفَرِّطُ فيهِ إِلاَّ مَحْرُومٌ ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم (( اسْتَمْتِعُوا بهذا البيت )) ( رواه ابن خزيمة وابن حبان ) ،
وينبغي للمُسْلِمِ أَنْ يُبَادِرَ بِالحَجِّ مَتَى اسْتَطَاعَ إِلى ذَلِكَ سَبِيلاً ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : (( يقولُ الله عز وجل : إِنَّ عَبْداً صَحَحْتُ لَهُ جِسْمَهُ ، وَوَسَّعْتُ عَلَيْهِ في المَعِيشَةِ ، تَمْضِي عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ لاَ يَفِدُ إليّ ؛ لَمَحْرُومٌ )) رواه ابن حبان وصححهُ هُوَ والألباني .
أيها الأخ الكريم : ومَعَ هَذِهِ الأُجُورُ العَظِيمَةُ فَإِنَّ اللهَ جَعَلَ لِهَذِهِ العِبَادَةِ الكَبِيرَةِ حِكْمَةٌ في مَشْرُوعِيَّتِها وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلا حَكِيمٌ عَلِيمٌ بمَصَالِحِ عِبَادِهِ ، فَشَرَعَ لَهُمْ أَنْ يَجْتَمِعُوا في العِبَادَاتِ التي أَمَرَهُمْ بها كَالحَجِّ ، وَصَلاَةِ الأَعْيَادِ ، وَصَلاَةِ الجُمْعَةِ ، وَالصَّلَوَاتِ الخَمْسِ ؛ لِمَا في ذَلِكَ مِنَ التَّعَارُفِ وَالتَّوَادُدِ والتَّآلُفِ والتَّسَانُدِ والتَّنَاصُرِ بين المُسْلِمِين ، وَعَقْدِ أَوَاصِرِ المَحَبَّةِ وَالإِخَاءِ ، وَتَبَادُلِ النَّصَائِحِ والتَّوْجِيهَاتِ السَّنِيَّةِ ، وَتَبَادُلِ الآرَاءِ ، بِمَا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالمَصْلَحَةِ العَّامَّةِ وَالخَاصَّةِ في دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ .
ولِمَا في هذه العباداتِ مِنْ طاعَةِ اللهِ ، وتوحيدِهِ، وإفرادِهِ بالعبادَةِ ، ولِمَا يَتَرَتَّبُ على ذَلِكَ مِنْ مُضَاعَفَةِ الحَسَنَاتِ ، وَتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ كَمَا سَلَفَ ذِكْرُهُ .
وخَاصَّةً الحَجُّ فَهْوَ أَعْظَمُ مُجْتَمَعٍ وَمُؤْتَمَرٍ إِسْلاميٍّ عَالَمِيٍّ، هُوَ المجتَمَعُ المَيْمُونُ المُبَارَكُ، هُوَ الحَشْدُ الهَائِلُ والجُمُوعُ المُتَدَفِّقَةُ عَلى صَعِيدِ عَرَفَاتْ ، والمُلْتَفَّةُ حَوْلَ الكعبةِ المُشَرَّفَةِ .
فالحجُّ لِقَاءٌ بينَ الأَبْدَانِ وَالقُلُوبِ وَالأَرْوَاحِ . يَلْتَقِي فيهِ المُسْلِمُونَ بِإِخْوَانِهِمْ الوَافِدِين مِنْ جَمِيعِ بِقَاعِ الأَرْضِ ، مَعَ اخْتِلاَفِ الجِنْسِ وَاللُّغَةِ وَاللَّوْنِ . لِقَاءٌ كَرِيم في زِيٍّ مُوَحَّدٍ هُوَ : الإِزَارُ وَالرِّدَاءُ .
لِقَاءٌ مَنْطِقُهُ واحِدٌ : لا إله إلا الله ، محمدٌ رسول الله ، لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك .
لقاءٌ عَظِيمٌ ومَشْهَدٌ رَائِعٌ ، هُوَ مِنْ عَنَاوِينِ وَحْدَةِ المُسْلِمِين التي تَجْمَعُهُمْ سُنَّةُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وتُفَرِّقُهُمْ الأَهْوَاءُ وَالبِدَعُ .
لقاءٌ هوَ عِبارَةٌ عن جَامِعَةٍ إسلامِيَّةٍ عَظِيمَةٍ ، تَتَخَوَّفُ مِنْ ذَلِكَ جُمُوعُ اليَهُودِ والنَّصَارَى وَكُلُّ عَدِوٍّ للإسلامِ والمسلمين .
لقاءٌ واجتماعٌ كَهَذَا ، لا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَقُومَ بِمِثْلِهِ دَوْلَةٌ ، بلْ ولاَ جميعُ دُوَلِ العالم.
اجتماعٌ ولِقَاءٌ لَهُ دَوَافِعُ مِنَ الأَشْوَاقِ الإِلهِيَّةِ والدَّعْوَةِ الرَّبَّانِيَّةِ . وصَدَقَ الله إذ يقول : ( وَأَذِّنْ في النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقْ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ في أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِير ) .
لِقَاءٌ أَخَوِيٌّ بَيْنَ المسلمين وهوَ مِنْ مَحَاسِنِ دِينِ الإِسْلاَم ، وَبِهِ الفَخْرُ والاعْتِزَازُ.
لقاءٌ مِنْ أَجْلِ طَاعَةِ الله عز وجل وطَاعَةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم ، وَمِنْ أَجْلِ شُهُودِ المَنَافِعِ ، مَنَافِعُ عَظِيمَةٌ لأُمَّةِ الإسلام . مَنَافِعُ عامَّةٌ وخَاصَّةٌ، منافع دينِيَّةٌ ودُنْيَوِيَّةٌ ، ومنافع عَقَدِيَّةٌ، ومَنَافِعُ أَخْلاَقِيَّةٌ، واقتصادية، وسياسية، وغيرِ ذلكَ مِمَّا يَعُودُ عَلَى المسلمينَ بِالنَّصْرِ وَالعِزِّ والشَّرَفِ والفَخْرِ والخَيْرِ والسعادة . وفّق الله المسلمين رُعَاةً ورَعِيَّةً ، وزُعَمَاء ومَزْعُومِين إلى مَا فيهِ عِزُّهُم وفَخْرُهُمْ وصَلاحُهُمْ في دينِهِم ودُنْيَاهُم .
ولنْ يَتَحَقَّقَ للمُسْلِمِينَ النَّصْرُ والعِزُّ والسَّعَادَةُ ، إِلاَّ إِذَا عَمِلُوا بِشَريعَةِ الإِسلام ، فِعْلاً وقولاً ، عقيدةً وعِبَادَةً، وَأَحْكَاماً وَأَخْلاَقاً . وإِذَا لَمْ يَفْعَلُوا فَقُلْ عَلَى الحَيَاةِ العَفَاءُ ، وعلى أُمَّةِ الإِسْلامِ السَّلاَمُ .
أيها الأخ المبارك : وهناك شروطٌ إذا توافرت في المرءِ وَجَبَ عليه أنْ يُبَادِرَ إلى الحَجِّ ، ويأثم إنْ أخّرهُ بلا عُذْرٍ شَرْعِي وهي
الأولى: الإسلام ، فلا يَصِحُّ الحجُّ مِن كافر .
ثانياً : البلوغ ، فلا يجب على الصغير وإن حج فله ولوليِّهِ أجرٌ لكن تبقى ذِمَّتُهُ مَشْغُولَةٌ بالحج الواجب .
ثالثاً : العقل ، فلا يصح من مجنون .
رابعاً : الحرية ، فلا تجب على الرقيق وهم العبيد .
خامساً : الاستطاعة ، فلا يجب الحج على غير قادر كالمريض أو من لم يجد مالاً ليحج به أو لم يجد راحلة – كالسيارة مثلاً – .
وتزيدُ المرأةُ شَرْطاً
سادِساً :وهو وجودُ المحرم إِذْ لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافِرَ مَسيرَةَ يَوْمٍ وليلَةٍ مِنْ دُونِ محرم كَمَّا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن لم تجد فلا يجب عليها الحج حتى تجد محرماً ، فإن أَيِسَتْ اسْتَنَابَتْ مَنْ يَحُجَّ عَنها ولا شيء عليها .
فمن اجتمعت فيه هذه الشروط في سَنَةٍ مِنَ السَّنَوَاتِ وَجَبَ عليه الحَجُّ فيها، ولا يجوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ بِحَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ .
أيُّها الأخوة وها هُنا وصايا لِمَنْ عَزَمَ على الحَجِّ :
فأوَّلُها : ينبغي للمسلم أنْ يحْرِصَ أولاً على معرفةِ أحكام الحج قبلَ أنْ يَحُجْ حَتى لا يَقَعَ مِنْهُ شَيءٌ يُخَالِفُ مَقْصُودَ الحَجِّ ، أو يُخِلُّ بِشَيء مِنْ أَرْكَانِ الحَجِّ ، أَوْ يَقَعُ في محظُورٍ مِنْ محْظُورَاتِ الحج وهوَ جَاهِلٌ ، وهذا فَرْضُ عَيْنٍ على كُلِّ مُريدٍ للحَجِّ.
ثانيها : ليكنْ حَجَّكَ لله ، وعلى سُنَّةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حتى يكونَ صَحِيحاً مَقْبُولاً عِنْدَ الله .
ثالثها : احرص رَعَاكَ اللهُ على اختيارِ المَالِ الحَلالِ لِتُؤَدِّي بِهِ حَجَّتَكَ وَإِلاَّ كانَ حَالُكَ كَمَا قال القائل :
إِذَا حَجَجْتَ بِمَالٍ أصلهُ سُحْتُ فَمَا حَجَجْتَ ولَكِنْ حَجَّتِ العِيرُ
رابِعُهَا : ينبغي للحاجِّ المُسَافِرِ أنْ يَطْلُبَ رَفِيقاً مُوافِقاً راغباً في الخير ، كارِهاً للشَّرِّ إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ ، وإنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ ، وإن تَيَّسَّرَ مع هذا كَوْنُهُ مِنَ العُلَمَاءِ أَوْ طَلَبَةِ العِلْمِ المعروفين بالسُّنَّةِ والاسْتِقَامَةِ فليَتَمَسَّكْ بِهِ فَإِنَّهُ يُعِينُهُ على مَبَارِّ الحج ومَكَارِمِ الأخلاق .
خامِسُها : ينبغي لهُ أنْ يُبَادِرَ بالتوبةِ مِنْ جميعِ المعاصي ، ويَخْرُجَ مِنْ مَظَالِمِ الخَلْقِ ، وَيَقْضِي مَا أَمْكَنَهُ مِنْ دِيُونِهِ، وَيَرُدَّ الودَائِعَ فإن لم يتمكن أَوْصى مَنْ يَقْضِيها عنهُ إِنْ لَمْ يَرْجِع ، ويَكْتُبُ وَصِيَّتَهُ وَيُشْهِدُ عليها ، ويَتْرُكُ لأَهْلِهِ نَفَقَةً تَكْفِيهِم إلى حينِ رُجُوعِهِ .
سادِسُها : يُسْتَحَبُّ لهُ أَنْ يُوَدِّعَ أَهْلَهُ وَجِيرانَهُ .
سابعاً : يقولُ دُعَاءَ الخروجِ مِنَ المنـزلِ ، ولْيَحْرِصْ على بَقِيَّةِ الأَذْكَار والأدعية كَدُعَاءِ المُسَافِرِ للمُقِيم ، ودُعَاءُ السَّفَرِ والمَسَاءِ والصَّبَاح وغيرها ويجمعها كتاب (( حِصْنُ المُسْلِمِ )) فَإِنَّهُ خَفِيفُ المَحْمَلْ عَظِيمُ الفَائِدَةِ .
ويُراعي غيرها من آداب السفر …
كتبه الشيخ\ دغش بن شبيب العجمي
نقل وترتيب الفقير الى عفو ربة \عدنان السلفي