هُنُودُ شَارِع « جول فِيري »..
كانوا خمسة أطفال: صبيان وبنات، يلتقون بعد الدراسة، ليلعبوا معاً لعبة "الهنود الحمر"، وليحلموا بمغامرات خارقة.
في أحد الأيام، وبمعجزة غير منتظرة، تتحقق أمنياتهم:
- "التمساح الشُجاع" تصبح لديه القدرة على التحوّل، بلمح البصر؛ إلى شخص راشد.
- "كوكا كولا" يمتلك حافظة نقود تصنع قطعاً نقدية حسب الطلب.
- "فأرة السم" تحصل على مرآة تخفيها عن الأنظار.
- "الزئبق" يحرك جميع الأشخاص والأشياء التي ينظر إليها بمنظاره المقرِّب.
- "الريشة السريعة"، ترافقها وتحميها يمامة بيضاء.
فيسود المرح والغبطة في شارع "جول فيري"! لكنهم، وباستخدامهم قدراتهم الخارقة تلك، دون إدراك، ألا يحثُّون الخطا نحو الكارثة؟!!
الخَيّالَة
رفعت "الريشة السريعة"، أنفها، لتشمَّ ماحولها، كان الهواء يدور واستنشقت شيئاً في الجو أشبه برائحة الخيانة لقد بقيت وحدها في المخيم الذي جرى إخلاؤه منذ العصر، حيث أُرسل الأطفال والشيوخ إلى الجبال؛ بينما كان المحاربون يراقبون من بعيد، أو يصطادون.
انحنت، ووضعت أذنها على الأرض التي كانت ترتج تحتها: إنه صوت جري جماعة كبيرة تقترب، لا شك في ذلك. كان لابد من إعطاء إشارة الإنذار!!
لذا، تخلّت عن قدر تطهو فيه السبانخ... وصعدت مسرعة إلى أقرب تلة، وصفرت بأصابعها. سمع المحاربون الثلاثة والمراقب إشارتها، وعادوا بأقصى سرعة.
-إنه - الرتل الخامس من الخيالة!! صاحت "الريشة السريعة" مشيرة إلى الأفق، وهي تقفز فوق جوادها الرمادي مثل المرأة المحاربة( ).
قال الرئيس: "وهو يمر قربها"
- السلحفاة المهذارة هي التي وشت بنا!
صاح "الزئبق":
- أسرعوا! من هنا!
وترك أفراد "قبيلة الخمسة" الأرض العراء، ودخلوا منطقة "الغابات الباردة" على جيادهم السريعة التي كانت تثب وثباً عالياً. ووصلوا إلى "الفجوة الرائعة" التي كانت تحيط بها من جهة الشمال قمة "البرج ف" ومن جهة الجنوب "التلال الحمراء" للمجمَّع المدرسي "كورنتين-كلابيون".
ومن الجهة المقابلة، كان "سلاح الفرسان" العائلي قد وصل بانتظام إلى "الوادي المنخفض" الواقع في منتصف الطريق المؤدية إلى قصر "الطاحونة الحمراء"، وانتشر أفراده على ساحة المعركة!
استطاع "أفراد" القبيلة، من مواقعهم، سماع كبار السن وهم يصيحون بأصوات عالية كقرع الطبول:
- أهذا هووقت العودة إلى المنزل؟!
- كم مرة يجب أن ننادي عليكم؟
- ألا ترون أن الليَّل بدأ يخيّم؟!
- وماذا عن واجباتكم المدرسية؟
- وعن الدروس؟..
كان الهنود هم الأسرع، لأنهم كانوا يعرفون المنطقة بتفاصيلها الدقيقة، عن ظهر قلب؛ ذلك أنّهم، ومنذ أجيال عديدة، كانوا قد استكشفوا هذه المنطقة: الوديان والجبال والأبراج والأدراج والصخور والأشجار والجداول، كما كانوا يعرفون كل أسرارها. وكانوا كذلك قد درسوا جميع المخارج الممكنة، وأما أفراد مستعمرة "سرية" البالغين، ورغم أنهم مدججَّون بالسلاح، فلم يتجاسروا على سلوك طرق أخرى غير الطرق الآمنة، والمحروسة جيداً، والتي تقود إلى "المركز التجاري" أوإلى الجبال التي تتحكّم بما حولها.
وبعد أن ضلّل الهنود مُطارديهم، اجتمع الخمسة، في موقع صغير يطل على المنطقة الصناعية الواسعة، وراحوا يتدبّرون أمورهم...
قالت "الريشة السريعة":
- لا يمكن لهذا الوضع أن يستمر! احمرت الوجوه الشاحبة غضباً؛ لقد رأيتها جيداً، وسوف ينتهي بها الأمر إلى القضاء على "القبيلة" بأكملها.
قال "الزئبق": إنهم لا يتركوننا بسلام ولو خمس دقائق! وعما قريب، وإذا بقي الوضع على حاله، فلن يسمحوا لنا حتى بالخروج للّعب.
قال التمساح الشجاع، وهو رئيس القبيلة:
- سوف يعملون على تفريقنا. لقد نصحتني والدتي بالامتناع عن التحدث إليكم. ولن يمر وقت طويل حتى تمنعني عن ذلك نهائياً! تقول إنكم ستكونون "أشقياء المستقبل"، لكنني أعلم أن كل واحد من عجائزنا يظن الشيء نفسه بأولاد الآخرين. إن أمي قد اتفقت على ذلك مع السيدة "بلوشون" وأخريات.....
وعند ذكر اسم السيدة "بلوشون" خيم صمت مأساوي على المكان. قال "كوكا كولا":.... وقريباً جداً ستظهر نتائج امتحانات هذا الفصل.
وعاد الصمت المأساوي يخيم عليهم من جديد...وبدأ الليل يُرخي سدوله على السهل:
قال الزعيم:... يجب ألا نفقد معنوياتنا العالية. غداً الأربعاء سنلتقي هنا الساعة الثالثة بعد الظهر...هل أنتم موافقون؟!
قال الزئبق: -كلا؛ عندي مباراة بكرة القدم.
- سوف يحلّ لاعب آخر محلك.
-لا..لأنني أنا الذي سيحل محل لاعب آخر. وكما تعلمون ينقصنا لاعبون في هذه الفترة. إن أحسن لاعبينا قد ذهبوا إلى الصف الأخضر.. (الفريق الخصم).
قال "كوكا كولا":- لهذا إذاً، يرسلون في طلب "لاعبين فاشلين"، مثلك.
- شكراً للإطراء، على كلٍّ، فإنهم يسعدون جداً بوجودي معهم.
- حسن، وغداً صباحاً، الساعة العاشرة؟
قالت "الريشة السريعة": عندي درس على البيانو. انتفض الرئيس بعنف.وقد تملّكه الغضب:
- هكذا إذن! مادام الأمر على هذا النحو فليس من داعٍ لتشكيل جماعة أو أي شيء آخر، وإذا كان للواحد منكم أعماله الخاصة التي يتمسَّك بها كل هذا التمسُّك، فليبق على مثال أسلافه! وأنا، في هذه الحالة، أترك كل شيء!
- لا تغضب....
قاطعتهم "فأرة السم": - ..اسمعوا... يجب علي أن أعود إلى المنزل، وإلا ربطوني إلى عمود التعذيب...
- حسناً... قررّ الرئيس العودة إلى المكان. غداً الساعة الخامسة. ثم تحدّث التمساح الشجاع.
لم يعترض أحد، وتبادّلوا التحية السرّية، ثم رحلوا عن المخيم عند الغَسَق... وكل منهم يحمل محفظته على ظهره.
مرة أخرى، كان المصعد معطلاً! وصعدت "الريشة السريعة"، الطوابق الأحد عشر مهرولةً. وعندما أدركت منزلها صار يمكن تسميتها "الريشة الذابلة"، ثم الريشة الساقطة على الأرض،بعدما تلقّت صفعتين من والدتها التي كانت تنتظرها خلف الباب، قالت وهي تنهض وتتنهد ثم تمسح أنفها بطرف كمها، صفعة أكثر أو صفعة أقل لم يعد يهمني!"...
لم تكن مائدة الطعام قد نُظِّفت بعد، والغرفة تعبق برائحة المأكولات المتنوعة؛ كان أهلها قد انتهوا من تناول طعامهم، وكان والدها جالساً أمام شاشة التلفاز يتابع فيلماً أميركياً.
صاحت أمها وهي تذهب إلى المطبخ مسرورة بصفعها: وقالت: هل تعتقدين أن الأمر انتهى عند هذا الحد؟!
وبدأت "الريشة السريعة" تنظف المائدة، محدثة ضجة كبيرة وهي تمسح الصحون من الصلصة وتفرغها في الصحن الكبير، حتى تُري الجميع أنها كانت تعمل. وفيما كان أخوها الكبير في الممر، قال ساخراً:
- مابك أيّتها "الريشة الضائعة" في مهب الريح؟!!
أجابت وهي تمدّ له لسانها:
- اسكت، أيّها الأحمق العجوز!
- أوه! أدخلي لسانك، ولا تخرجيه ثانية. لقد احتفظت لك بقطعة من الحلوى!
صاحت الفتاة الصغيرة وهي تتبع أخاها إلى غرفته:
- صحيح!...أنت لطيف جداً!
وكانت قطعة لذيذة من "فطيرة الدُرَّاق" الشهي كنتِ على وشك أن تمسكي عن الطعام. لكن لحسن الحظ، يوجد احتفال بالعيد. هذه الأمسية -ولا أدري أين- يتخلّله الرقص وأمور أخرى. وقد ذهبتْ إلى ذلك الاحتفال أخواتنا العزيزات، وهنّ متنكرات جيداً . لولا ذلك لكان عليهن. ياصغيرتي ذات الثياب العتيقة، توسيع لجنة الاستقبال للاحتفاء بقدومك، ويجب أن تعترفي بأمرٍ، أنك تعودين متأخرة قليلاً بالنسبة ليوم دراسي.
- أوه، وماذا في ذلك؟ عمري الآن عشر سنوات!
- شيء جميل، لكن هذا لا يعطيك الحق في العودة إلى المنزل عند منتصف الليل!
وبعد أن انتهت من تناول الحلوى، قبلّت أخاها.
***
سار "كوكا كولا" وهوطفل أسمر، قصير ونحيف، - بمحاذاة أحواض "اللبلاب"، ثم دار نحو أزهار الدالية، أول باب للبناء الموجود هناك.
صعد طابقين، وتناول المفتاح المعلق حول رقبته، وفتح الباب على الناحية اليسرى من صحن الدرج. لم يكن عمه موجوداً في البيت.
ووجد على طاولة المطبخ علبة من "الرافيولي"( )فتحها، وسكب محتوياتها في قدر صغير، ثم أعدّ الطاولة، وفتح التلفاز ليشاهد الفيلم... وأجل مراجعة دروسه إلى الغد (وغداً سوف يراجع دروسه). وبما أن عمه لا يعود إلا متأخراً جداً فقد أخلد "كوكا كولا" للنوم بعد أن انتظره طويلاً، وشرب زجاجة الكوكا كولا.
***
حين عاد القائد "التمساح الشجاع" إلى المنزل، كانت عائلته، بكامل أعضائها، مضافاً إليها أبناء العمومة الساكنين في الطابق السادس، يتابعون الفيلم الأميركي، في غرفة الجلوس التي تحولت إلىقاعة عرض لهذه المناسبة.
خلع حذاءه بحذر شديد، عند المدخل، وسار على رؤوس أصابع قدميه، حتى وصل المطبخ، والتهم مابقي من طعام في الأطباق. كان الطعام بارداً ودبقاً، ولم يكن هناك مايدل على أن دومينو الكلب الابيض والأسود، لم يسبقه إلى شيء من تلك الأطباق، لكنه أفضل من البقاء صائماً، غير أنّه من جهة أخرى، تناول قطعة كبيرة من الحلوى، وتسلل بعد ذلك، بخفة، إلى غرفته التي يشاركه إياها اثنان من أصغر أخوته وصعد إلى السرير العلوي وغرق في قراءة قصة مصورة.
كان والدا "الزئبق" ينتظرانه على باب البناية "ب"، وقد شمرا عن سواعدهما، وعلى جانبي درجات المدخل القليلة، وقف الجيران في صفين كحرس الشرف. وهم يتحدثون حول التربية الحديثة. حارس البناية أعطى الإشارة، وما إن لمحوا شعر "الزئبق" الأشقر على منحنى الطريق وهو يلمع كخوذة على رأسه، حتى ارتفعت أصواتهم، واختلطت عبارات التهديد والصراخ، والوعيد، بعضها ببعض. وكاد الأبوان يفقدان برودة أعصابهما. والابن أُذْنَهُ اليسرى...
وحُرِمَ "الزئبق" من كرة القدم.
***
من "قبيلة الخمسة"، "فأرة السم" وحدها، هي التي شعرت بالخوف الحقيقي؛ كان الظلام دامساً، وكانت تسكن في منطقة بعيدة عن المدينة، وفجأة، أخذت تركض، وخصل شعرها الكستنائي المربوطة تطير في الهواء. كان هذا هو وقت تجمع سائقي الدراجات تحت المرآة العاكسة الحزينة. وكانت بعض العرائش تتدلى من هنا وهناك. فشعرت بأنها مراقبة، ولم تكن تحب ذلك على الإطلاق.
ولحسن الحظ، جاءت أمها لملاقاتها، وكان صوتها يرتجف قلقاً، نادت الأم عليها:
- "جيرالدين"! ألا تدركين مدى القلق الذي تسببت به لي ولوالدك..؟
حين دخلتا إلى المنزل، كان أخوها الرضيع يبكي في سريره، نظرت إليه "جيرالدين" نظرة مبهمة، وجلست إلى الطاولة.
لم يقل والدها شيئاً؛ وكان قد انتهى من تناول عشائه، وهو جالس الآن، على كرسيه، يراجع ملفات رسمية هامة، وقد بدا شكله غريباً جداً، حتى أن "جيرالدين" -"فارة السم" تساءلت ما إذا كان قد قلق فعلاً عليها أو أحسّ بغيابها.
وقررت ألا تعود ثانية إلى أفراد القبيلة. إذا ما أجبروها مرة أخرى على العودة متأخرة إلى هذا الحد.
القَسَم الأعْظَم
في اليوم التالي، اجتمع أفراد "القبيلة" كلَّهم، وهم خمسة أشخاص حقيقيين، وقرابة ألفين وهميين. وبينما كان "الرجال" الوهميون يسرجون الحيوانات الخيالية، وكانت النساء المزعومات يعتنين بالأطفال غير المرئييين، كان الزعماء الحقيقيون الخمسة يعقدون اجتماعاً برئاسة "التمساح الشجاع". كان الجميع قد لاحظوا دون أن يتجرأ أحد على التفوُّه بكلمة واحدة، أن الزعيم الكبير قد حلق شعره كله.
كانت "الريشة السريعة" قد استطاعت أن تطير من بيتها خلال فترة قصيرة انشغلت فيها أمها وأخواتها الكبيرات عنها.
وقد تمكن "الزئبق" الذي حرم من الاشتراك في مبارة كرة القدم، من الحصول على إذن باللعب أمام مدخل البناية بقوسه وسهامه، فاستغل الفرصة للهرب. وفرضت "فأرة السم" شروطها عن إعطائها الحق في الذهاب ساعة تشاء.
****
وهكذا، انتهى اجتماع "حكماء" هذه القبيلة الفريدة في نوعها، حيث كان للمرأة الحق في الإدلاء برأيها؛
قال "التمساح الشجاع" وهو شارد الفكر:
- سوف ننظم صفوفنا!
- فكرة حسنة!
- ولكن كيف؟!
- ولأي هدف؟!
وحدها "فأرة السم" التزمت الصمت.
كرَّر "التمساح الشجاع": علينا أن ننظم أنفسنا... لنحبط خطط العدو، ولنتغلَّب على فرقة الخيالة الخامسة. لقد اتهموني بالخيانة، وحلقوا لي شعري كله...وغداً، إذا تركنا هم على سجيتهم، فسوف يتجرَّأون، ويسلخون فروة رأسي.
ارتعدت الفتيات خوفاً، عند سماع هذا، وكذلك "كوكا كولا" صاحب الشعر الجميل.
وأضاف قائلاً:
- لا تنسوا أنهم يحصلون على مساعدات جديدة. إن السيدة "بلوشون" قد أعارتهم مدفعيتها. الآن!
هتف الزئبق: - إن ما لا نستطيع تحقيقه بالقوة، يجب أن نحققه بالحيلة!
- ولتحقيق هَدَفنا يجب أن تكون لدينا أفكار.
قالت "الريشة السريعة": - لدينا الأفكار. ليس هذا ماينقصنا..
- آه، نعم! إذاً، ما الذي ينقصنا؟!
- حسناً... نحن، وبطريقة ما، نمثل هنود العصر الحديث ونعيش بمعزل عن العالم، دون التمتع بأي حق من الحقوق؛ لنفعل، إذاً، مثل أجدادنا الهنود.
قال "كوكا كولا": أنسيت أنهم سوف يقضون على جميع خططنا. هم أيضاً يشاهدون التلفاز.
قال "الزئبق": وعدا ذلك، سوف يكون من الصعب جداً تنفيذ عمليات السلب والحرق، دون أن يمسكوا بنا.
قالت الريشة السريعة: حسناً جداً! وما الذي عنيته، إذاً، بالحيلة.
صرخ التمساح الشجاع فجأة وهو يعيد كرة رماها بعض الأطفال الذين كانوا يلعبون حولهم، وكانت قد أصابت وجهه: هؤلاء الصبية سيئون!
(كان هؤلاء الأطفال حقيقيين، ليسوا من القبيلة، وقد جاؤوا للَّعب في هذا المكان دون تصريح مسبق).
قال الزئبق:- إنّهم يستحقون آلاف الصفعات!
- يجب ألا ندعهم يخرجون سالمين.
- هذه الأرض المنبسطة ملك لنا! وكذلك تلة الصيد تلك!
- إذاً، هيا لنطردهم!
هبوا واقفين مرة واحدة، وبدأوا يزأرون بوجه الأطفال الذين فرّوا هاربين، وهم يبكون.
لم تتحرك "الريشة السريعة" من مكانها، ولم تحرك ساكناً، وعندما عاد أفراد القبيلة، وجلسوا في أماكنهم، قالت:
- هذا تصرف سيئ.
- صاح الزعيم:
- وماهو السييء فيه؟
- لقد تصرفنا مثل "فرقة الخيالة الخامسة".
وخيم السكون، وتناهت إلى مسامعهم الأصوات الهادرة لشاحنات نقل النفط. التي لا ينقطع مرورها على الطريق الكبير لقلعة "جول فيري".
قال التمساح الشجاع خجلاً:
- أوه... لنكمل الاجتماع.
- إلى أين وصلنا؟!
- إلى السلب والحرق، حتى ولوكانت "الريشة السريعة" تعتقد أن هذا ليس تصرفاً جيداً.
- آه، نعم، عندها حق! علينا القيام بغير ذلك.
- الأمر كله... إنه لا توجد لدينا أيّة إمكانيات من أي نوع. إنهم الأقوى. قد ننجح في تحقيق بعض "الدعابات" هنا أو هناك، لكن الأمر سينتهي بفوزهم.
- دعابات؟ هذه فكرة شيقة.
قال "كوكا كولا": -هه! هذا ليس بالأمر الجديد.
- دعابات! لقد فعلتها كثيراً جداً مع عمي.
قال الزئبق: - وأنا، مع حارس البناية، أرتب أموري دائماً بحيث أسقي أزهار شرفتي، في الوقت الذي يجلس فيه تحتها ليستظل بها.
صاح التمساح الشجاع:
- نعم.. نعم! لكن هذه الدعابات تبقى دعابات منفردة! ألاعيب صغيرة ليست ذات قيمة! مثلاً، سرقة طباشير السيدة "بلوشون" إنّها تسْتطيع الحصول على أية كمية، من المدير. لا أدري من أتته هذه الفكرة منذ يومين. لكنه أحمق. "الريشة السريعة" على حق إن ما أريد قوله هو: علينا أن نقوم بخدع حقيقية.
- نشترك نحن الخمسة في الخدعة! سيكون هذا ممتعاً!
سألت "فأرة السم": - من لديه فكرة للقيام بخدعة؟..
- حسناً... الجميع لديه أفكار لألاعيب جديدة..
قال التمساح الشجاع: - طبعاً! لكن ما أريده، هو أن تكون ألاعيبنا كبيـ...يـ..يرة! أريد خدعاً تشمل السكان جميعاً! وتتحدث عنها الصحف.
قالت "فأرة السم": -هاكم هذه الفكرة مثلاً؛ كم سيكون الأمر جيداً، لو كنا نملك القدرة على الاختفاء!
قال الزعيم: أنتِ.. ما الذي يدور في رأسك الصغير؟
- نعم، وماذا في ذلك؟ نستطيع بذلك أن ننفذ خدعتنا، ونختفي بهدوء، دون أن يرانا، أو يشعر بنا أحد!
- هذا بسيط للغاية! عبقريّ يّ يّ! بالمناسبة، هل لديكِ طريقة معينة للاختفاء والتواري عن الأنظار؟!
رفعت كتفيها علامة للنفي.
- لا، طبعاً! كنت أقول هذا على سبيل المزاح والضحك.
- إذاً هيا نضحك أيها الإخوان! لنضحك! ها، ها، ها...ها..
يكفي. لقد ضحـ..ك... نا كثيراً. يكفي.
قطَّبت "فأرة السم" حاجبيها...
قال "التمساح الشجاع": - ولِمَ لا؟! في تلك اللحظة، لماذا لا نتحول إلى أشخاص راشدين؟ مثلاً: سوف أطيل شاربيّ وأسطو على البنك، ثم أعود طفلاً بعد ذلك مباشرة؛ وهكذا لن يراني ولن يمسك بي أحد.
وضحكوا كثيراً هذه المرّة، لأن تصور "الفكّ الكبير" وعليه شارب كان مضحكاً للغاية، خاصة عندما سيواجه السيدة "بلوشون". قال الزئبق: -سوف يكون ذلك رائعاً. وعندما يأتي "الكبار" لمواجهتك فسوف تتحول إلى مصارع حر، وتلفهم بطريقة آلية، وتنهال باللكمات على وجوههم، وتهزم كل اثنين معاً، بالضربة الواحدة... وهكذا تنتهي همومنا! وفي اللحظة ذاتها يمكننا تخيل أي شيء آخر؛ لو بدأت الإعلانات مثلاً، تتكلم؟!
- وتتحرك؟
- تتحرك! إنني أرى الأم "دينيز" وهي تغطس رأسها في غسالتها.
قال "كوكا كولا"- أما أنا. فلدي فكرة أخرى. ليس من الضروري أبداً السطو علىبنك؛ إن هذا عمل غير شريف ومحفوف بالأخطار.أود أن يكون لدي كنز لا ينفد أبداً، وكلما أخذنا منه النقود، عاد وامتلأ من جديد. وبواسطته سوف ندبر بعض "المقالب" أنا واثق من ذلك؛ لأن النقود تساعد على فعل أي شيء! سأدفع المال لعدد كبير من سيارات الأجرة كي تأتي وتغلق منافذ الحي في الصباح الباكر، وهكذا سيتأخر عمي عن الوصول إلى مقر عمله، ولاشيء يثير غضبه. أكثر من وصوله متأخراً إلى مكتبه، ولم أفهم سبب ذلك...
- وهكذا سوف يكون لك عَمٌّ غاضب حتى آخر يوم في حياتك إذا كانت هذه إرادتك....
قاطعهم "التمساح الشجاع": - يكفي هذا! لقد مزحنا كفاية حتى الآن! نحن مجتمعون هنا للتخطيط لنشر الفوضى في صفوف "فرقة الخيالة الخامسة". وليس لأي سبب آخر!
سكتوا جميعاً، وركّز كلٌّ منهم كي يجد فكرة مناسبة. وبما أن الأفكار لم تأتِ، فقد جالوا بأبصارهم، ونظروا حولهم، فلاحظوا غير بعيد عن موقعهم، شخصاً يجلس على برميل نفط قديم؛ كان يستمع إليهم ويدوِّن ملاحظات على دفتر صغير، فأخذوا يحدِّقون إليه ويتفحَّصونه، ومالبث أن وقف، وصحّح وضع نظَّارته، وسار مبتعداً.
قالت "الريشة السريعة": - إنه جاسوس آخر من جواسيس "فرقة الخيالة الخامسة"
- لكنها المرة الأولى التي نراه فيها.
- يبدو أنه قد التحق حديثاً في صفوفهم. قبل ذلك كان يخدم في فوج آخر.
- في "فوج الخيالة الثامن"، مثلاً؟!
- نعم، في "الثامن"، ولم لا؟ لديهم أفواج كثيرة، كما تعلم.
- آه!
قال "التمساح الشجاع": - لحسن الحظ أننا لم نكن نتفوه بحماقات.
قالت "الريشة السريعة": - نعم! كيف كنا نبدو ياترى؟
- نحن لا يهمنا كيف نبدو أمام أنظار العدو.
قاطعتهم "فأرة السم": - لقد تأخر الوقت- وأنا أرى أننا لم نتقدم كثيراً.
قال "التمساح الشجاع": -هذا صحيح- لا توجد لدينا، هذا المساء، أفكار جيدة، نحن بحاجة، فقط، للترويح عن أنفسنا، وهذا جيد. يحتاج المرء بعض الأحيان أن يفرج عن نفسه بالتفوه بحماقات. سوف نؤجل جلسة اليوم إلى الغد، وحتى ذلك الوقت، ليفكر كل واحد منكم بخدعة.
قال الزئبق: - جيد! - قبل كل شيء، سوف نتعاهد على الحفاظ على السرّ.
- الأفضل أن نُقسِم على ذلك. لنقف جميعاً!
وقفوا، وشكلَّوا دائرة... خفضوا رؤوسهم، ثم مدّوا أيديهم نحو مركز الدائرة، حيث تلامست.
قال التمساح: - نقسم على اتحادنا، وعلى محاربة "فرقة الخيالة الخامسة" ردَّد الآخرون:
- نقسم على ذلك!
- نقسم على أن يُساعد بعضنا البعض الآخر حتى الموت!
- نقسم على ذلك!
- نقسم على الحفاظ على سرية مشروعنا!
- نقسم على ذلك!
وبصقوا جميعاً على الأرض. ثم، وبصمت، أقسموا لأنفسهم القسم السري، وأدار كل منهم ظهره لرفيقه، وذهب على حصانه نحو "الجبال الرمادية" لقلعة "جول فيري"، أو "الغابة المظلمة"، للمركز التجاري، أو نحو الأراضي البعيدة "للمنازل الصغيرة المقدسة". كانت جيادهم الجامحة ترسل غيوماً عالية من الغبار؛ فتحجب ضوء الشمس الغاربة.
.................................................. ................يتبع.............................. ............................
في انتضار انتقاداتكم وآرائكم تقبلوا فائق الاحترام